أبي طالب المكي

384

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

مرض الحبيب فعدته * فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني * فبرأت من نظري إليه وما شك أهل مصر أنّ الشافعي يفوض أمر حلقته إليه ، وأنه يستخلفه بعد موته ويأمر الناس بالحضور عنده ، حتى سئل عن ذلك في علَّته فقيل له : يا أبا عبد الله إلى من نجلس بعدك ، ومن يكون صاحب الحلقة ، وهم يظنون أنه يشير إلى محمد فاستشرف لذلك محمد وتطاول لها ، وكان جالسا عند رأسه فقال : سبحان الله أيشك في هذا أبو يعقوب البويطي ، فانكسر لها محمد ووجد في نفسه ومال أصحابه إلى أبي يعقوب البويطي ، وقد كان محمد حمل علم الشافعي ومذهبه وفارق مذهب مالك ، إلا أنّ البويطي كان أزهد وأورع ، فحمل الشافعي نصحه للدين والنصيحة للمسلمين ، ولم يداهن في ذلك بأن وجه الأمر إلى أبي يعقوب ، وآثره لأنه كان أولى ، فلما قبض الشافعي رضي الله عنه انتقل محمد بن عبد الحكم مذهبه ، وفارق أصحابه ورجع إلى مالك ، وروى كتب أبيه عن مالك ، وتفقه فيها . فهو اليوم من كبار أصحاب مالك رضي الله عنه ، وأخمل البويطي رحمه الله نفسه واعتزل عن الناس بالبويطة من سواد مصر ، وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع ابن سليمان ويعرف به ، وإنما هو جمع البويطي لم يذكر نفسه فيه ، وأخرجه إلى الربيع فزاد فيه ، وأظهره وسمعه منه وقد كان البويطي حمل في المحلة ورفع من مصر إلى السلطان ، وحبس في شأن القرآن . فحدثنا عن الربيع قال : كتب إليّ البويطي من السجن يحثني على المجالس ، ويأمرني بالمواظبة على العلم والرفق بالمتعلمين والإقبال عليهم ، وأن أتواضع لهم وقال : كثيرا ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يقول : أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولن تكرم النفس التي لا تهينها وأوصى بعض السلف ابنه فقال : يا بني لا تصحب من الناس إلَّا من إن افترقت قرب منك ، وإذا استغنيت لم يطمع فيك ، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك ، إن تذللت له صانك ، وإن احتجت له مانك ، وإن اجتمعت معه زانك ، فإن لم تجد هذا فلا تصحبن أحدا ، ومن حق الأخوّة في الله عزّ وجلّ ما نقل إلينا من سيرة السلف قال : كان الرجل يجيء إلى منزل أخيه من حيث لا يعلم ، فيقول لأهله : هل عندكم دقيق ، ألكم زيت تحتاجون إلى كذا ، فإن قالوا ليس عندنا اشترى لهم مصالحهم . قال : ولم يكن الأخ يفرق بين عياله وعيال أخيه ، يقاسمهم المئونة قال : ويلقى أخاه فلا يعلمه بشيء من ذلك . وأما سعيد بن أبي عروبة ، فكان يعلق كل ثوب عنده على الحبل ، ويظهر كل صنف من طعام فيصفه ، وربما اشترى المسلوخ فيعلقه ، ويفتح بابه ويدخل عليه إخوانه في الله عزّ وجلّ ،